تفصيل

  • الصفحات : 389 صفحة،
  • سنة الطباعة : 2022،
  • الغلاف : غلاف مقوى،
  • الطباعة : الأولى،
  • لون الطباعة :أسود،
  • ردمك : 978-9931-08-264-4.

يوصف القرن التاسع عشر بالعصر الذهبي للصحافة، حيث تحولت إلى أداة إعلامية جماهيرية في الدول الغربية. وقد رافق هذه الظاهرة تغير في بنية المجتمع الغربي مع ظهور الثورة الصناعية الثانية التي تسببت في النزوح نحو المدن وتفكك العلاقات الاجتماعية التي كانت قائمة على الأسرة الممتدة وصعود النزعة الفردية، لدرجة أن البعض أنكر مع هذه التحولات وجود المجتمع من الأساس.

لقد كان الفرد في حاجة إلى الخروج من تلك العزلة التي سببت له القلق والاكتئاب، فوجد في الصحافة ووسائل الإعلام عامة الأداة المناسبة لإعادة إحياء العلاقات الاجتماعية والتشبيك، لكن على أسس جديدة وخارج تلك الأطر القديمة.

ويعود الفضل للصحافة في إعادة إدماج الأفراد في المجتمع بترحيل التراث الثقافي بين الأجيال، فهي الحامية للقيم والمساعدة على التمكين في بناء المواقف والاتجاهات إزاء القضايا المرتبطة بإدارة الشأن العام.

ولا تعد الصحافة مجرد أداة لترحيل التراث الثقافي للأمم، فقد طورت لنفسها ثقافة خاصة تحت مسمى الثقافة الجماهيرية التي تتمتع بسمات مختلفة عن الثقافة الأكاديمية، وكذلك الأمر بالنسبة لنوع ومستوى اللغة. فبالنسبة للغة العربية تحديدا، أحدثت الصحافة ثورة بنقل العربية إلى مستوى التداول بهجر الغريب من المفردات.

ورغم هذه الإيجابيات التي لم تكن محل خلاف أو جدل بين الباحثين، فإن الصحافة ليست منزهة وليست ملاكا للرحمة يأخذ بأيدي البشر الذين أرهقتهم الحداثة وأوغلت في التهميش والاغتراب لشرائح واسعة.

لقد ابتعدت الصحافة من رسالة التنوير التي بشرت بها في البداية، وتحولت إلى سلطة تنشد امتلاك القوة بالزج بنفسها في قلب الصراع السياسي، وهو ما أبعدها عن الحياد والتجرد ونشر الحقيقة. ولهذا انجرفت نحو التضليل بدل التنوير ونقلت مركز الاهتمام من الجد إلى التسالي، ظنا منها أن هذه الوظيفة الجديدة ستلبي حاجات الإنسان المتأزم الذي شوهه عصر ما بعد الحداثة في عصر الثورة الصناعية الثالثة.

ولا شك أن كل وسائل الإعلام تعمل وفق منطق يقوم على الانتقاء. والأكيد أن هذا التصور يحرك ذلك الجدل الذي لازال مستمرا بين الباحثين حول موضوعية وسائل الإعلام واستراتيجياتها في العمل، وما إن كانت هذه الإستراتيجيات تمليها أجندات سرية وليس الوقائع في حد ذاتها. وذهب البعض إلى  الحدود القصوى بربطها بنظرية المؤامرة.

إن النظرة الفاحصة لبنية المجتمع الجزائري، تدفع إلى القول ودون تردد بأن الأمر يتعلق بمجتمع تقليدي في الغالب، وهو يتوق إلى التحديث وإلى انصهار أكثر في ما بين مكوناته، وتلك نتيجة طبيعية لاتساع الجغرافيا وتنوع تضاريسه وضعف شبكات الربط.

وقد تعود الدارسون النظر إلى الجزائر كبلد تتوزع جغرافيته إلى أربع مناطق: الوسط، الشرق، الغرب والجنوب. ويُفترض أن تستجيب وتتكيف وسائل الإعلام في مجال نشاطها مع هذا التنوع الجغرافي والثقافي.

واللافت أن هناك تناقضا صارخا بين الخطاب السياسي للسلطة الداعي إلى اللامركزية، وما هو قائم بالفعل. فالجزائر لا تزال دولة مركزية بامتياز بالرغم من كل شيء، وقد كانت السلطة قبل التعددية المبادر بخلق إعلام محلي بررته بالدفع نحو تقبل التحديث والتنمية في مجتمع شبه جامد لتشبثه الشديد بالتقاليد.

إن أكثر من تسعين بالمائة من الصحافة في الجزائر تصدر في العاصمة. وبذلك، فإن هناك هيمنة واضحة على المشهد الإعلامي بصورة لا يمكن إخفاؤها. وتعمقت هذه الظاهرة مع تحرير الصحافة المطبوعة من سلطة الدولة، فأدى ذلك إلى المزيد من المركزية، وكان ذلك على حساب موت الإعلام المحلي الذي بادرت به الدولة من قبل.

والواقع أن هذا الاختلال لا يشكل إلا الظاهرة البارزة من المشكلة؛ حيث أن هناك ظاهرة كامنة تتمثل في محتوى هذا الإعلام نفسه، فاليوميات الأكثر مبيعا في السوق هي يوميات عامة أي لها الرهانات نفسها؛ حيث يتم تبويب وتصنيف المادة الإعلامية على نحو منمط.

والملفت أكثر هو وجود ظاهرة التغييب الإعلامي للأقاليم البعيدة عن المركز إلا في الحالات التي يكون دافعها خلق الإثارة بالحوادث العابرة.

وللإشارة، فإن مصطلح “التوازن الجهوي” اختفى واستبدل بمصطلح جديد غير متداول من قبل وهو مناطق الظل” التي يقصد بها المناطق التي لم تستفد من التنمية والتي ظلت منسية.

والسؤال المطروح: ما هي الآثار التي انعكست على الصحافة في ظل التحولات الكبيرة التي يمر بها المجتمع الجزائري، وهل هناك أدوار جديدة منتظرة؟

لقد ارتبط الإعلام عموما بانتشار الديمقراطية؛ حيث اعتبر أحد مقوماتها ومآلاتها في الوقت نفسه بينما ارتبط الإعلام المحلي باللامركزية وهي بدورها مظهر من مظاهر الديمقراطية.

إن “الديمقراطية” و”اللامركزية” كثيرا ما ترددتا في الخطاب السياسي، غير أن مسألة ترجمتهما إلى واقع ليس بالسهولة التي يمكن أن يعتقدها البعض لاسيما عندما يتعلق الأمر بمجتمع تقليدي.

وتواجه الصحافة في الجزائر تحديات مشابهة، فهل تخلت عن رسالتها التنويرية؟

إن ما يخصص للأحداث المحلية قليل، ففي لا شعور الإعلاميين الجزائريين أن أهم الأحداث لا تصنع إلا في العواصم، لهذا تتمتع العاصمة والمدن الكبرى على الشريط الساحلي بتغطية مكثـفة، على عكس ولايات الجزائر العميقة التي أصبحت تصنف على أنها مناطق ظل في إشارة على الإهمال.

والواقع أن الإعلام المركزي يحجب ويعتم على الإعلام المحلي عندنا على عكس ما يحدث في الدول الغربية التي يكاد فيها الإعلام المركزي يختفي وهو في تراجع مستمر منذ الحرب العالمية الثانية. فما هي الدواعي والأسباب لهذه الظاهرة؟

إن زخم الأحداث بفعل الأزمة المتعددة الجوانب التي عرفتها البلاد فرضت نفسها كأجندة على وسائل الإعلام في الجزائر، بل إنها حلت محل أجندة كان يعمل وفقها الإعلام الجزائري في مرحلة الإعلام الملتزم بأجندة السلطة. وقد أربكت الأزمة كل خرائط الطريق وعلقت كل الخطط إلى حين التئام الشروط الكافية والمناخ المناسب.

وقد تعرضت الصحافة في الجزائر إلى نقد شديد حول المصداقية في العمل والأجندات التي ترسم مسارها، إلى حد أن اتهمت بالشريك في الأزمة. لهذا وجب لفت الانتباه إلى الحاجة الملحة إلى إعلام جواري يتعاطى بشكل إيجابي مع الأحداث القريبة من نبض المواطن الذي بات يعاني من فقدان الثقة، ليس في وعود السلطة فحسب، بل في وعود الصحافة أيضا حول مسألة نقل الحقيقة بكل تجرد.

وسوف يتم التصدي لهذه الإشكالات تحت سقف الأنموذج الإرشادي البنائي الوظيفي لاعتقادنا أنه كفيل بتغطية متطلبات هذه الدراسة. ففي حقل علوم الإعلام ينظر إلى وسائل الإعلام من خلال هذا الأنموذج على أنها عبارة عن منظومة تسند المنظومات الأخرى: المنظومة السياسية والمنظومة الاقتصادية، من أجل إبقاء المجتمع في حالة من التوازن.

وبما أن هذه الدراسة تبحث في الاختلال بين عمليتي التغطية والتدفق في المعلومات بين القرية والمدينة، وبين المركز والمحيط، فإن ذلك يستدعي توظيف منهج يحقق مسعى قياس حجم الظاهرة.

أما إسقاطات هذه الدراسة، فإن يوميتا الخبر” و”الشروق اليومي” تشكلان في رأينا الأرض الخصبة للوقوف على أبعاد الظاهرة. فهاتان اليوميتان من أهم الصحف الجزائرية وأكثرها انتشارا على مستوى الوطن ولهما من المكاتب والمراسلين العدد الوافر وهو ما يؤمن لهما تغطية الأحداث أينما وقعت.

أملنا أن نلفت انتباه الباحثين من خلال هذه الدراسة إلى ظاهرة إعادة صياغة المشهد الإعلامي في الجزائر خاصة بعد فتح المجال أمام الاستثمار الخاص، وهي ظاهرة جديرة بالمزيد من البحث والتقصي.

أ.د/ إدريس بولكعيبات

د/ فاطمة الزهراء تنيو

قسنطينة في 14 مارس 2021.