تفصيل

  • الصفحات : 247 صفحة،
  • سنة الطباعة : 2024،
  • الغلاف : غلاف مقوى،
  • الطباعة : الأولى ،
  • لون الطباعة :أسود،
  • ردمك : 978-9931-08-813-4.

المقدمة

عرف الشعر العربي الحديث والمعاصر نقلة نوعية وتبدلا جوهريا بعد الثورة الجزائرية المظفرة ونتيجة سلسلة من الاخفاقات والهزائم العربية المتوالية التي أيقظت في العربي حس النقد، فجعلته ناقما على الأوضاع يبحث عن بدائل فكرية، وينشد طرائق مغايرة في التعبير والتفكير، فتحولت المثاقفة المحتشمة إلى انبهار بالغرب وإقبال على مدارسه الفكرية والإبداعية، فالثورة حملت معها عناصر القطيعة مع الماضي، والخيبات والهزائم اللاحقة (هزيمة 1967)جعلت الاقتباس من الغرب مستساغا ومبررا، فكانت نتيجة ذلك ظهور شعر التفعيلة وأنماط أخرى كالشعر الحر، والقصيدة النثرية في باب الابداع الشعري، وكان للشعر الجزائري نصيب من هذه التغيرات المشهودة، فلو قارنا بين شعر الرواد وشعر حقبة السبعينيات لوجدنا اختلافا وتغييرا كبيرا على مستوى الرؤيا والتشكيل، مع أن جذوة الثورة الإبداعية كادت تخفت في مستنقع الايديولوجيا الاشتراكية.

والنقد الذي كان مجرد صيحات عابرة للتغيير والتطوير والاستفادة من المذاهب الغربية مثلما عايناه في المرحلة الإرهاصية للنقد الجزائري في الأربعينيات من القرن العشرين تحول في عقود موالية إلى مناهج متكاملة وشمولية تستهدف المكتوب والشفاهي، وتعتني بالنصوص الفصيحة والشعبية على حد سواء، وبدا أن النقيضان الأسطوري والعلمي يلتقيان ويتعانقان أمام المناهج النسقية، ولم يعتم الباحثون أن اتهموا  المناهج السياقية بتضليل الناقد والقارئ ومبارحة جوهر النص، لأنها في أرقى أطوارها كانت لا تزال تصرّ على ربط صاحب النص ببيئته وزمانه وعرقه، عكس ما قدمه النقاد الجدد الذين حرروا النصوص الأدبية من النزعة التاريخية، وعلى رأسهم الاجتماعيون، والنفسانيون؛ والشكلانيون، والبنيويون، والتفكيكيون، والسيمائيون، واللسانياتيون، والأسلوبيون.

وانهمرت على التنظير والنقد مناهج حداثية كالبنيوية والتفكيكية والأسلوبية، وطفت إلى السطح طرائق وأساليب ومقاربات، فإذا السرقة الأدبية باتت تناصا مقبولا مرغوبا، ولم تعد جريرة الأخذ والامتصاص جريمة يعاقب عليها بوليس النقد، وتلاشت الحدود المضروبة بين الأدب العربي والغربي، ونحن ندخل عصر التقنية والحاسوب، حتى ذاع بين الناس أدب تفاعلي ونصوص مترابطة ومتشعبة بدأت تلتمس طريقها نحو المتلقي العربي في سرعة متناهية. وصار الحاسوب بعدها أداة إنتاج وفضاءا للإنتاج، وميدان علاقات انتاجية، وأدى إلى ظهور اختصاص جديد بسبب اشتغاله بالنص الجديد فيما يسمى بالوسائط المتفاعلة كامتداد للوسائط المتعددة (تلفاز اذاعة…) وتعمق الأمر بقدرة الحاسوب على إنتاج أي نوع من أنواع الإبداع الذي يمارس بمنأى عن أي وسيط آخر، ويمكن لهذا الوسيط أن يجعل ابداعاته قابلة للتلقي والتواصل، فالرواية الرقمية ولدت نقدا وتواصلا مباشرا مع القارئ متطور الوسائل سريع الاستجابة، مما بات يؤشر ببزوغ سرديات رقمية وسرديات سيميائية كما ضيّق الأدب التفاعلي المسافة الشاسعة التي كانت قائمة بين الأدب والعلم، حتى اعتبرهما البعض نقيضان لا يلتقيان، فاليوم “ضدا العلم والأدب يلتقيان في حفيديهما التكنولوجيا والحداثة. ومع ذلك تبقى للنص الورقي أفضاله، بمميزات غير متوفرة في نظيره الإلكتروني، كما أن التمييز أو المفاضلة بين النص الورقي والنص الإلكتروني غير مجد تماما، ففي كثير من الحالات تكون بعض النصوص الورقية أقرب إلى النصوص الإلكترونية الرقمية منها إلى غيرها من النصوص الورقية.

وإن كان بعض النقاد في قمة تطرفهم وانبهارهم قد تجافو عن التراث النقدي العربي معتصمين بالنظريات الغربية كحل بديل، إلا أن الكتاب والنقاد الأصلاء ظلوا متمسكين بالتراث يلتحدون إليه كمنارة ضرورية خشية أن يضلوا الطريق في معمعة هذه المناهج التي لا تخضع إلا لاعتبارات أرضيتها الفلسفية والفكرية الغربية، ومثلت المدرسة المغاربية وبعض أنصارها كعبد الملك مرتاض ومحمد مفتاح الدور بإحكام، فكانا ينتهكان الوافد الغربي بالمعول التراثي، ويمتحنان بقايا التراث بمقراض النظريات الغربية، وكان المنهج الجاثوم يروض بحنكة الممارسة الميدانية.

وكان الأدب العربي عامة والجزائري على الخصوص مقاوما للأنظمة الكولونيالية، ولا يزال المبدعون يحملون هذا الهاجس، وستمثلونه في كتاباتهم، كما يستلهمه النقاد في خطابهم لكنهم يفرقون الآن بين مقاومة الغرب الغاصب المهيمن اللبيرالي العلماني، وبين ما يملك في يده من أدوات الهيمنة التي تستدعي الاتقان والامتصاص لا اللعن والرفس، والالمام بهذه التقانة الأدبية بتعبير تودوروف لا يعني البتة الذوبان في لغة الغرب وترك اللغة العربية نهبا للعجمة والأخطاء، أو التسامح في رصيدها الألسني، فأضحى البون شاسعا اليوم بين لغة عبقرية في أصلها، ثرية بذخيرتها، ولادة بصيغها، وخطاب معاصر يكاد يفسد العربية، ويصيرها لا هي فصحى فترتقي، ولا هي عامية فتسوق في مظانها، فالنقد والابداع الشعري والنثري والخطاب كلها تستدعي منا لغة صحيحة ثرية أصيلة ترتقي بالأدب، وتستقوي بالمناهج المناسبة سواء كان النص مادة في معجم أو  قصيدة في ديوان ورقي أو مقطوعة مودعة بصورة تقنية على الحاسوب، فلا مساومة في اللغة، ولا تنازل عن اعتباراتها النحوية والصرفية.

السبت 10 رمضان 1444 / 01 أفريل 2023