تفصيل

  • الصفحات : 360 صفحة،
  • سنة الطباعة : 2024،
  • الغلاف : غلاف مقوى،
  • الطباعة : الأولى ،
  • لون الطباعة :أسود،
  • ردمك : 978-9931-08-842-4.

مُقَدَّمَةٌ

لبسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبيّنا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا ونور أبصارنا وبصائرنا وتاج رؤوسنا، سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه جزيلا جميلا دائما بدوام ملك الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فهذا التوأم الثاني لكتاب سبق قبله هو “الكشاف في تمويل واستثمار الأوقاف”، ولئن كان الكشاف قد عُني بكشف الجوانب النظرية والنّظر في الحقول المعرفية والغوص في أعماق الصيّغ التمويلية والطرائق الاستثمارية والأدوات والأساليب المفاهيمية ذات الصّلة بتمويل الأوقاف واستثمار أصولها وأموالها، فإنّ هذا الكتاب قسيم ذاك ومتمٌ لما تقدّم به من معرفة ومفاهيم، وإنّه لحقيق بالعناية ونشر وبسط ما أتيح من تجارب وأعمال وأنشطة وممارسات تطبيقية خاصّة بالأوقاف النقديّة دون سواها من الأصول، عبر وسيلتين وأداتين اثنتين هما مِلاك هذا المجال وأكثر أدواته استخداما وأعني بهما: الصناديق الوقفية والأوراق المالية الوقفية.

وفي هذا السياق، تعني الممارسات التمويلية والاستثمارية للأوقاف النقدية توظيف الأموال الوقفية وخصوصا النقدية منها في استثمارات ومشاريع من خلال صيّغٍ مربحة وذات جدوى اقتصادية واجتماعية، وفق الصناديق والأوراق المالية الوقفية التي تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وتقوم على أصول ومبادئ فقه الوقف النقدي، طلبا لربحها وغنمها ورجاء ريعها وفوائدها وعوائدها وزوائدها، التي ستخصّص للموقوف عليهم من جهات خيرية وأفراد وعائلات، بما يسهم في التنمية الاجتماعية وتحسين جودة الحياة ومستوى المعيشة.

وغالبا _وهو عين الصواب_ ما يتم تحديد الأساليب والاستراتيجيات لتلكم الممارسات التمويلية والاستثمارية للأوقاف النقدية بناءً على دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجيات المتاحة والرؤى العميقة الصادرة عن الخبراء والمتمرسين وأهل الدراية والتطبيق، بما يحقق الأرباح ثانيا ويحفظُ الأصول أولا ويجنبَها المفاسد والمضار والمهالك.

ولقد اشتهرت الصناديق الوقفية كوسائل للجمع والتعبئة لرؤوس أموال المشاريعِ خيريةً كانت أو ربحية، خاصة كانت أو عامة، وهي بهذا الاعتبار حسابات مصرفية لدى مؤسسات مالية، تُنشئ خصيصا لهذا الغرض لتجمَع وتضمَّ ما يحوّل لها ويوضع فيها من قبل ممولين ومشتركين ومستثمرين وواقفين ومتبرعين وسواهم، قاصدين استثمارها وتنميتها وتوليد غلاتٍ وفوائد وعوائد، تقسّم على حسب قوانين وعقود واتفاقيات بين أطراف العملية التمويلية والاستثمارية وسواهم.

أما الصناديق الوقفية فهي صناديق مخصوصة توضع بها أموال مخصوصة لتسيّر وتدار بطريقة ربحية مخصوصة وهي النّظارة والوكالة والنيابة، غير أنّ عوائدها لها جهات محدّدة لا سبيل إلى مخالفتها أو الخروج عنها ولا طاقة شرعا وقانونا لمن وكّل بها أن يزيغ عن ما وقفت له بداءة، ذلك أنّ شرط الواقف معتبر مطلقا، حتى قيل أنّه “كنصّ الشارع” في الفهم والدّلالة ووجوب العمل.

ومن الجانب الأخر، تبرز الأوراق المالية الوقفية كوسائل تمويلٍ، وأدوات تجميعٍ لما يُحتاج إليه في هذا المجال الخيري، لها دوافعها وقوانينها وتطبيقاتها الخاصة بها أيضا، غير أنّها تمتاز عن الصناديق الوقفية بانضباط مبالغ التمويل بها وتحديدها، لكون قيّمها محدّدةٌ سلفا كألف دينار وألفين وخمسة آلاف وهكذا، على خلاف الصناديق الوقفية التي يمكن أن يتبرع لها ألف شخص، بألف مقدار ومبلغ وقفي يختلف كلٌ عن الآخر.

وقد لقيت الأوراق المالية الوقفية والصناديق الوقفية شيوعا وقَبولا وإقبالا عليها من قبل الكثير من المؤسسات الوقفية الإسلامية، فيجد المتأمّل أنَّ هذا يعمل بصيغة الأسهم الوقفية المؤبدة كالسودان وماليزيا والكويت والسعودية وقطر وعمان، وذاك المحاول للعمل وفق صيغة الصكوك الوقفية المؤقتة كالأردن ونيوزيلندا، وآخر يشتغل بالصناديق الوقفية كالكويت مثلا، تسعى المؤسسات الوقفية _المذكورة وسواها_ لجلب موارد لعقاراتها وأراضيها ومؤسساتها ومشاريعها الوقفية التنموية ذات الأثر الاقتصادي والإسهام الخيري والتأثير الاجتماعي، للمساهمة في التنمية الشاملة العامّة والمحليّة، مركزة على التنمية البشرية التعليمية والصّحية منها على وجه الخصوص.

وليست مستبعدا أن يلحظ الناظر بعين المتأمّل البصير تطور استخدام الأوقاف النقدية، خصوصا بعد أن جمعتُ بتوفيق من المولى تعالى تجارب وممارسات بان فضلها وسطع نجم نجاعتها وبرز سلطان نفعها وأثرها وذاع طيب ريح ثمرتها ونفعها، وأخصّ بالذكر جملة التجارب التي ساقها هذا المؤلَّف المبرزُ لواقع حال الصناديق الوقفية في الكويت وماليزيا والسعودية ومصر، وسندات المقارضة الأردنية، والصكوك الوقفية النيوزيلندية، والأسهم الوقفية الماليزية والسودانية والقطرية، وهدفنا في ذلك وغايتنا مدُّ الباحث والمحتاج لها _سواء كان مهتما بالدراسة أو التطبيق_ بإطلالة بسيطة ومعرفة سطحية لكثرتها من باب “ما لا يدرك كله لا يترك جلّه”، حتى يقف على جملة ممارسات متعدّدة بلدانها ومتنوعة تطبيقاتها وممارساتها وإجراءات تحقيقها والظفر بثمرتها، بعد اختيار أنسب صيغة وأفضل أسلوب وآملِ إجراء، وهي بلا شكٍّ جملة من التجارب العملية والتطبيقات الميدانية التي اعتمدت الأوراق المالية الوقفية (الأسهم الوقفية والصكوك الوقفية وسندات المقارضة) والصناديق الوقفية كأدوات ووسائل[1] لتمويل الأوقاف القائمة حالا أو القادمة مآلا.

ومتوكلا على الله تعالى، تم تقسيم هذا الكتاب إلى بابين اثنين:

  • الباب الأوّل: الإطار العام للصناديق والأوراق المالية الوقفية: المرتكزات وآليات العمل التنموي

وهذا الباب عدّ من قبيل المدخل النظري والإطار المفاهيمي العامّ التخصص المستهدف والمزمع تبسيطه وتفريعه، لكونه أضحى من غير الممكن أن تغيب معرفته في أي مؤسسة وقفية كانت، لذا رأيت أن أخصه بالجمع والتبسيط والتدقيق، ليكون عونا على فهم وتطبيق أساليب ومناهج الصناديق والأسهم والصّكوك الوقفية لمن يرغب في ذلك.

  • الباب الثاني: استعراض تجارب وتطبيقات دولية عن الصناديق والأوراق المالية الوقفية.

أما هذا الباب، فهو معقود لبيان تجارب دولية ومسوق لاستعراض إجراءات تطبيقية استغلت الوسائل الوقفية النقدية لتمويل أوقافها القائمة أو القادمة، محاولا أن أدعم أقوالي بقوانين واحصائيات، وأن أعضد ما يرد إن احتاج إلى أدلة وشواهد وتوفّرت، ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

وقد استقام هذا الكتاب على وفق جملة التجارب السالفة الذكر، وقواعد الأبواب السابقة الوضع، مع ما لا يخفى على كريم علمكم من كثرة مشاغل هذه الحياة الاجتماعية والعلمية والمهنيّة، وعزِّ تفرغي وقلة زادي ويسير اجتهادي، مكتفيا في المباحث المطروحة على ما له مباشر صلة بالموضوع ومقتصرا على ما ثبت من طرق رسمية مقبولة علميا ومنهجيا، من غير تطويل ولا إسهاب إلا استطرادا نادرا مناسبا للمقام، إذ هو مما يحسن ذكره ولا يليق تجنّبه وإهماله، وكما قيل:

وما يناسب المقام يذكر … تبحرا في العلم وهو أشكر.

وكما جرت عادة المؤلفين أن يحرصوا على التوضيح والبيان بما أمكن من وسائل وأدوات مناسبة موافقة، لذا حُرص على التوضيح المبسِط والبيان المعين على تعميق الفهم وتشكيل المعرفة اللائقة بالطلاب والباحثين والأكاديميين والنظّار والمؤسسات الوقفية وأصحاب الاهتمام عامة.

وعلى أساس ما تقدّم فقد ضمّنت هذا الكتاب ثمانية (08) جداول، وستة عشر (16) شكلا، وملحقين اثنين، كما أوردت ما أمكن من تشريعات وقوانين، وسُقت ما وقع بين أيدينا من ترتيبات عملية وخطوات تطبيقية تأسيسية أو ميدانية لتجارب إسلامية في هذا الشأن، حسَب ما أمكن وأتيح من وقت وجهد.

فمن وجد ما يوافق الحقّ والصّواب ويستحق الدعاء والثواب فليحمد الله تعالى على ما وَفقنا إليه، وليذكرنا بدعوة صالحة فإنّا راحلون مغادرون، ومن وجد نقصا أو زلة أو هفوة أو خطأ علميا كان أو لغويا أو شكليا أو منهجيا، أو سوى ذلك فليستغفر لنا ربنا، وليسعنا عفوه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، خصوصا وقد اقتصرنا على ذكر بعض التجارب فحسب، مما قد يجُرُّ لنا الملامة من بعض وتمنيهم أن لو ذكرنا عن تجربتهم شيئا قليلا، والحق أنّ عذرنا تعذُّرُ الإحاطة بذلك وصعوبة جمع كل ما حص وضمه والإحاطة به، ولم تسمح به الظروف والوقت والجهود، فالعذر العذر، فهذا جهد مقل وهذا عمل مبتدئ، وهذا ما أثمره شغلنا في البحث وعملنا في الجمع والتأليف، وذلك ما به جادت النفس وعنه عبّر الفؤاد، فأثمر ما ترى، والله المستعان وعليه التكلان وإليه المصير.

هذا ولا أدعي لهذه الوريقات استيعابا أو إلماما أو كمالا في محتواه أو موضوعاته ومباحثه، فالكامل الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وناقصو المعارف والقدرات والأفكار والملكات لا يكمل لهم عمل مهما طالت الفترات، واتسعت أزمان تحضيره أو جدّ صاحبه في تأليفه وتنقيحه وتحريره، وسهر في تصفيفه وتخريجه وتحسينه، فما كان فيه من صوابٍ فمن الله تعالى وحده توفيقا ومنّا وتفضلا، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله عزوجل.

 

واللهَ تعالى وحده نسأل أن يجعل هذا المؤلَّف في ميزان حسناتنا مسعدا لنا يوم لقائه، نافعا لنا ولوالدِينا ولعباده،

مسهما في نشر العلم وبثِّ العمل الوقفي الخيري، وأن يكتب لنا ولجميع المسلمين التوفيق في شؤون ديننا ودنيانا وأخرانا، والإخلاص في عقائدنا وأقوالنا وأفعالنا،

والعون لنا في سائر أعمالنا، والقَبول بمنّه وفضله وكرمه،

والعفو عن تقصيرنا والمغفرة لأخطائنا

والصفح عن زلاتنا،

فهو سيدنا وربنا وحسبنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الجزائر، يوم: الإثنين 12 جوان 2023 الموافق لـ 23 ذو القعدة 1444 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلّم

كتبه الفقير إلى ربه: عبد القادر بن جيلالي قداوي

 

 

[1] هي وسائل للتمويل بالوقف النقدي من جهة المؤسسة الوقفية، أما من جهة الواقف فثمة وسائل أخرى: إذ قد يموّل الواقف بيده أو من حسابه (كمن بطاقته)، أو من هاتفه، والمعتبر والمقصود في هذا الكتاب هي الوسائل من جهة المؤسسة الوقفية، وإن تطلب ذكرها من جهة الواقف بيّناها صراحة وتعيينا، أما غير ذلك وبإطلاق كلمة وسائل فلا أقصد بذكرها إلا من جانب المؤسسة أو الجهة الوقفية.